الحب ووردة الفلاح

كتبهاربى الدرع ، في 20 ديسمبر 2006 الساعة: 07:15 ص

 

 

كنت في رحلة تُخفّف من وطأة الحياة القاسية، وترفّه عن النّفس في إحدى قرى الريف السوري الجميل، حيث الطبيعة الخلابة التي ما زالت تحتفظ بسحرها المتألق، الذي ينعكس في نفوس وطباع الريفيين البسطاء، والذين حافظوا بدورهم على صفاء نفوسهم وعمق تأملهم للحياة.. أثناء سيري بين الحقول الغنّاء استوقفني مشهد مؤثر.. فلاح يعمل في أرضه.. رجل مكافح، لوّنت الشمس جبينه الأغر بلون الجهد والتعب، وتصبب العرق على وجهه كحبات الندى في ساعات الصباح الأولى فوق الأشجار الباسقة، أو كحبات المطر اللؤلؤية في يوم شتوي غاضب.

راقبت الرجل وهو يعمل في حقله طوال النهار، دون كلل أو ملل، حاملاً منجله، رافعاً إياه تارة ومسقطه تارة أخرى، مع انحناء قامته العظيمة وارتفاعها بالتواتر. فجأة.. توقف عن العمل، وانحنى متأملاً وردة أزهرت بين نباتات زرعه..كاد أن يقتلعها مع حصاده. كانت الوردة جميلة، ووحيدة، فريدة في الحسن.. هو لم يزرعها مطلقاً، بل لم يُفكر بزراعتها أبداً.. هي كائن خُلق في أرضه دون أن يدري.. اقترب بيده الخشنة منها، لمسها بهدوء خشية أن يُزيل عنها بعض حُسنها، واستغرق في تأمل طويل، حتى وجد أن الوقت يداهمه، وأن عمله توقف لوقت وهو مذهول بجمال الوردة. انتصبت قامة الفلاح قرب وردته، وتابع عمله دون أن يؤذيها، ولكنه حين هم بالعودة إلى بيته، نظر إليها وودعها حتى لقاء اليوم التالي.

ظهور وردة الفلاح في أرضه، أشبه بتورّد الحب في قلوبنا، فالحب وردة جميلة تظهر فجأة في حياتنا دون أن نحسب لها حساباً.. هو شعور مُباغت، عظيم، يفاجأ عواطفنا.. هو طائر صغير.. حديث العهد بالطيران.. مُحلّق إلى المالانهاية.. حالم حتى آخر حدود السماء!

قد يطيل الفلاح النظر في الوردة، ثم يتركها، يودعها دون أمل باللقاء، أو ربما لا يرى تلك الوردة في حقله، فيجتثها مع محصوله دون أن يعلم بوجودها، قد يراها لكنه يحتقرها ويدوسها دون رحمة.. أو قد تعجبه فيقطفها ويضعها في إناء إلى أن تذبل وتموت ثم يرميها، وقد تعيش الوردة جنباً إلى جنب، مع كد العمل، ما شاء الله لها وللفلاح من الحب والحياة، فها هي ذي بعض أشكال الحب في حياتنا.. المليئة بالعمل والمشاغل.

أما بالنسبة لي فكما كانت رحلة الريف فرصة للتأمل في مغزى "لغز الحب"، فإن رحلة الحب معي أبدية، كتب الله لها في قلبي الخلود!

ربى الدرع

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : خواطر | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “الحب ووردة الفلاح”

  1. عزيزتي ربى ،

    سعيدة بزيارة مدونتك . وجعلتني احن للريف وللخضرة والوجه الحسن كما يقولون .

    اهل الريف في كل المجتمعات العربية والغربية هم ابسط واطيب الناس بسلوكياتهم واخلاقهم العفوية التي لم تلوتها ماديات المدينة .

    ع البساطة البساطة

    يا عيني ع البساطة

    غديني جبنة وزيتونة

    وتعشيني بطاطا

    ياريت ترجع أيام الحب والخير والمودة والرحمة والسلام والأمان .

    كان لوا الواحد فينا لم يرى جاره ليوم واحد يروح يدق بابه ويسأل عنه .

    اليوم لوا لم يرى الإنسان أبويه او أخوته لأسبوع او أكثر يوجد في عقله الباطني مئة سبب لغيابهم !

    حسبنى الله ونعم الوكيل

  2. علي مصطفى القطرنجي قال:

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

    روبى:-

    في قصة هذا الفلاح شيء من الرومانسية بينة وبين ارضة او بالاصح الوردة التي ظهرت في ارضة, بصراحة موضوع جميل لكن إلي لفت انتباهي اكتر شي هذين المقطعين المقطعين ( لوّنت الشمس جبينه الأغر بلون الجهد والتعب، وتصبب العرق على وجهه كحبات الندى في ساعات الصباح الأولى فوق الأشجار الباسقة، أو كحبات المطر اللؤلؤية في يوم شتوي غاضب.) في تناقض بين لونت الشمس جبينه و في يوم شتوي غاضب

    وايضا الذي لفي إنتباهي اكثر و اكثر الكلمات الجميلة التي تحمل معاني رقيقة و قوية في نفس الوقت و هذا الشيئ ان دل يدل على قوة الكلمة لديك . وفقك الله لتقرأينل المزيد من الكلمات الجميلة .



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر